قالوا: لا يزال السكوتُ من ذهب... والأرض تضجّ تحت الأقدام الإسرائيلية الهمجية... فوافقنا...
وقالوا: لا يزال الكلام للميدان وليس للأقلام، «والفضلُ للسيف ليس الفضلُ للقلمِ...».
ولكن هذا، لا يمنع عني صفةَ: الثنائي والمقاوم.
أنا ثنائي، لأني أنا إنسان، والإنسان في الفلسفة هو «الأنا التي هي «أنت»...
والإنسان في اللاهوت هو ثنائي في الألوهية، لأنّه على صورة الله في الأرض...
والإنسان في اللغة هو أيضاً ثنائي، لأنّه مثنّى الإنْس...
وحدَهُ الإنسان في لبنان في الفلسفة واللّاهوت والسياسة والطائفية، سواءٌ كان ثنائياً أو أحديّاً يسجن نفسه في حصريةِ غريزة الأنا.
وأنا مقاوم ثنائي: مسيحي - مسلم، أقاوم كلّ عدوان، والعدوان الإسرائيلي بالأخصّ، أدافع عن وطني لبنان، لبنان وحدَه لا شريك له، وإن استُشْهدتُ فليكن علَمُ وطني لي كَفَناً، وحدَه العلم لا شريك له.
لماذا هنا لا نتمثّل بالشعب الإيراني الذي على حدّة خصامِه للحكم والنظام، حين يكون هناك خطر خارجي على الوطن يتوحّد حول العلَم.
ولماذا نحن، كلّما اشتدَّ علينا خطر من الخارج، بدل أن نتوحّد، ننقسم على أنفسنا حول علَمَيْن.
نعم... أنا مقاوم.
مقاومٌ من جبل الأرز، من جبل الباروك، من جبل عامل، ومن رأس بيروت، أنا في المقاومة قامةٌ وقمةٌ ورأس ولستُ ذراعاً.
وبيروت المقاومة عاصمة التاريخ، عاصمة الحضارة، كلية الحقوق، وعاصمةٌ للحرس الثوري اللبناني.
أنا مقاومّ مسيحي، يوم راح المطران: «كبّوجي» ينقل السلاح بسيارته للمقاومة، وللمقاومة الفلسطينية، حين كانت فلسطينية الهوية.
وأنا مقاوم شيعي، مع الإمام موسى الصدر في الجنوب، ومعه حين يعتكف صائماً في ظلال الصليب لمقاومة الحرب في لبنان وعلى لبنان.
وأنا مقاومٌ سنّي، مع مقاومة الدم الزكيّ الذي يُسكَبُ من سماحة المفتي حسن خالد شهيداً.
كمثل ما كان في استشهاد كمال جنبلاط مقاومة درزية غالية الأثمان.
المقاومة من أجل لبنان، لا فرق عندي، إن كانت إسلامية، مع انحناءةِ إجلالٍ أمام شهادةِ الدم العاشورائي، على أنّ المقاومة الإسلامية - المسيحية مع الدولة، هي الأقدر على المواجهة، وهي التي أدّتْ إلى ميثاقية الإستقلال، يوم انضمّ حزب النجّادة إلى حزب الكتائب برئاسة الشيخ بيار الجميل في مواجهة الإنتداب الفرنسي، ولم تكن مقاومة بيار الجميل للأم الحنون، إلّا نابعةً من رضاعة حليب الأمومة اللبنانية العريقة، وليس من حليب ملطَّخ من الأم بالتبنّي.
على رغم من مآسي الحرب وفواجعها الكارثية، دماراً ساحقاً ونزوحاً عارماً، وشهادات بالمئات، يخشى أن تتمّ النبوءَة فيكون ما بعد الحرب أخطر من الحرب، إذا ما تعرَّض البلد للإنقلاب والدولة للإنقلاب، والحكومة للعقاب، بمن فيها وزراء الأخ الأكبر.
على أنَّ ما يطمئن هو عدم الخوف من التهويل بالحرب الأهلية...
بين أي أهل وأهل ستقع ما دام اللبنانيّون قد اختلطوا جميعاً بفعل النزوح في بيئة واحدة، فبات كلُّهم أهلاً لكلّهم.
ويقيني، أنني أنا سأظلّ أنا المسيحي - المسلم، حتّى ولو انقلب البلد كلُّه فلا شيء يقلبني على غير ما هو عليه أنا.